حسن بن عبد الله السيرافي
182
شرح كتاب سيبويه
قال الفرزدق : تعال فإن عاهدتني لا تخونني * نكن مثل من يا ذئب يصطحبان " " 1 " قال أبو سعيد : ل ( من ) لفظ ومعنى ، فأمّا لفظها فواحد مذكّر ، فإذا رددت إليها الضمير العائد من صلتها أو خبرها أو غير ذلك كان واحدا مذكّرا أردت بها واحدا أو اثنين أو جماعة أو مؤنثا ، فإن أردت أن يكون العائد إليها على معناها فهو على ما يقصده المتكلّم من المعنى . فأمّا ما أعيد إليه على معناه في الجمع فقوله عز وجلّ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ " 2 " ، وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ " 3 " ، وأكثر ما في القرآن من هذا النحو فتوحيد لفظ المذكّر كنحو قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ " 4 " وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ " 5 " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ " 6 " وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ " 7 " وغير ذلك مما يطول . وأمّا المثنى فقول الفرزدق : . . . من يا ذئب يصطحبان يريد بمن نفسه والذئب ، وأمّا المؤنث فقوله : ومن تقنت منكن لله ورسوله [ الأحزاب : 31 ] لأنّ المعنى واحدة من النساء أو أكثر ، وربما أتي على اللفظ والمعنى كقوله عز وجل : وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً [ الأحزاب : 31 ] يقنت بالياء على اللفظ ، وتعمل بالتاء على المعنى ، وقوله تعالى : بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ " 8 " أسلم وجهه على لفظ من ولا خوف عليهم وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على معنى الجماعة . وذكر بعض الكوفيين : أنه إذا حمل من على المعنى لم يجز أن يردّ إلى اللفظ ، وإذا حمل على اللفظ جاز أن يردّ إلى المعنى ، ولا فرق بينهما عندي ، والذي يبطل ما قال قوله عز وجل في آخر سورة الطلاق : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي
--> ( 1 ) البيت في ديوانه 870 ، ابن يعيش 2 / 132 ؛ الكتاب 2 / 416 ؛ المقتضب 2 / 95 . ( 2 ) سورة يونس ، من الآية : 42 . ( 3 ) سورة الأنبياء ، من الآية : 82 . ( 4 ) سورة الأنعام ، من الآية : 25 . ( 5 ) سورة يونس ، من الآية : 43 . ( 6 ) سورة الطلاق ، من الآية : 2 ، 4 ، 5 . ( 7 ) سورة التغابن ، من الآيتين : 9 ، 11 . ( 8 ) سورة البقرة ، من الآية : 112 .